الشيخ السبحاني

369

الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل

مشروطا بعدم صدور العصيان ، فإذا صدر يكشف عن عدم الاستحقاق أبدا ، فكيف يطلق عليه الإحباط ، وما الإحباط إلا الإبطال والإسقاط ، ولم يكن هناك شيء حتى يبطل أو يسقط ؟ وذلك لأن نفس العمل في الظاهر سبب ومقتض ، فالإبطال والإسقاط كما يصدقان مع وجود العلة التامة ، فهكذا يصدقان مع وجود جزء العلة وسببها ومقتضيها ، وهذا كمن ملك أرضا صالحة للزراعة فأحدث فيها ما أفقدها هذه الصلاحية . وبعبارة أخرى : إنّ الموت على الكفر ، وإن كان يبطل ثواب جميع الأعمال ، لكن ليس هذا بالإحباط ، بل باشتراط الموافاة على الإيمان في استحقاق الثواب على القول بالاستحقاق ، وفي الوعد بالثواب على القول بعدم الاستحقاق . وهكذا القول في المعاصي التي ورد أنها حابطة لبعض الحسنات من غير قول بالحبط ، بل يكون الاستحقاق أو الوعد مشروطا بعدم صدور تلك المعصية . نعم ، هذا التفسير إنما نحتاج إليه في جانب الإحباط ، وأما في جانب التكفير فلا حاجة إليه ، بل لنا أن نقول إنّ التوبة والأعمال المكفّرة يذهبان العقاب المكتوب على المعاصي من دون حاجة إلى القول بكون الاستحقاق مشروطا بالموافاة على الكفر ، لجواز تفضّله سبحانه بالعفو . هذا ، ولا يصح القول بالإحباط والتكفير في كل المعاصي ، بل يجب علينا تتبّع النصوص ، فكلّ معصية وردت في الكتاب أو في الآثار الصحيحة أنها ذاهبة أو منقصة لثواب جميع الحسنات أو بعضها ، نقول بالإحباط فيها على التفسير الذي ذكرناه . وهكذا في جانب التكفير فلا يمكن لنا أن نقول إنّ كل حسنة تذهب السيئة إلّا بالنص . إلى هنا تم بيان دليل النافين للإحباط على الوجه اللائق بكلامهم ، والإجابة عليه .